أخبارنا
ماذا نسمع حين نصغي إلى السمع؟
أخبارنا

ماذا نسمع حين نصغي إلى السمع؟

في زاوية هادئة تُفارق صخب المهرجان وازدحام فعالياته، وعلى مقربة من هدوء معرض الفن التشكيلي، وُلِدت مساحة خاصة جداً لإعادة التفكير في فعل السمع. هناك، في "حجرة الإصغاء" التي أُقيمت على هامش فعاليات النسخة الثامنة من مهرجان ميدفيست مصر بالتعاون بين مشروع كادر ومنصة مَسْمَع.

أتاحت المساحة فرصة للتوقف قليلاً واختبار أصوات نألفها ونسمعها كل يوم. مما دفع المشاركين لقراءتها وتأملها من منظور جديد انطلاقاً من تجاربهم الشخصية، وحالتهم الشعورية في اللحظة التي التقطت التقطت فيها آذانهم تلك التسجيلات.

تحرير الخيال وبناء الكادر من الصوت

عبرت التجربة لدى المشاركين رحلة من الذاكرة الى الخيال معاً. توضح إحدى المشاركات أن حضور مثل هذه الفعالية داخل مهرجان سينمائي "يفتح أفقاً جديداً لفهم الوسيط السينمائي نفسه؛ فالسينما مع رؤيتها البصرية تعتمد على الصوت الذي يعيد ويساهم في تكوين الصورة".

وتضيف: "حين تعتمد التجربة على السمع فقط، يبدأ الخيال في الظهور. تجد نفسك تتخيل المكان، والزمان، وأبطال المشهد، بل وتستحضر موقعك ودورك داخل هذا السياق. بالنسبة لصناع الأفلام، تمنح هذه التجربة قدرة على بناء كادر كامل، وتخيل زوايا التصوير والحوار عبر الصوت وحده. إنها بمثابة استراحة خيالية ملهمة وممتعة بين العروض والفعاليات".

الصوت بطلاً درامياً يُلهم الإخراج

ومن منظور إخراجي، أضاءت الحجرة على أهمية شريط الصوت وتصميمه (Sound Design) كعنصر مهم بجانب الديكور والإضاءة. تقول إحدى المخرجات المشاركات: "مثلما نستوحي قصص الأفلام من قراءة الروايات، أثبتت هذه التجربة أن الاستماع الصرف قادر على خلق مشاهد وعوالم كاملة داخل الذهن. إذ جعلتني أدرك عمق التأثير الذي يحققه الصوت في نقل المتلقي إلى قلب بيئة الفيلم، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على رؤيتي الإخراجية القادمة من حيث التركيز الدقيق على كل تفصيلة صوتية لبناء عالم درامي متكامل".

تأمل نفسي وحساسية تجاه العوالم المحيطة

تجاوزت التجربة حدود الصناعة السينمائية وتقنياتها، وامتدت للنقاش حول البعد النفسي والسياق الاجتماعي للأصوات. تفاعلت إحدى المشاركات، وهي طبيبة نفسية ودارسة للسيناريو، مع التجربة، مشيرة إلى أن الاستماع المنعزل عبر السماعات مثّل حالة من اليقظة الذهنية، منحت الفرد فرصة للتأمل والابتعاد عن ضوضاء العالم الخارجي.

تلفت المشاركة إلى أن إعادة اكتشاف أصوات الشارع والمجتمع، رغم ما تحمله من ازدحام، منحت شعوراً حياً بالأُلفة والأصالة، واستحوذت على مشاعر مركبة تجمع بين الرهبة والحنين. كما نوهت بأن التجربة استمرت بعد نهاية التسجيل، وتركت أثراً مستداماً جعلها أكثر تركيزاً وحساسية تجاه الأصوات والمحيط الاجتماعي على مدار اليوم.

صوتٌ يتجاوز المشهد

جاءت هذه التفاعلات لتلفت الأنظار نحو المساحات الغنية التي يخلقها الصوت بعيداً عن هيمنة الصورة، وهو ما يتقاطع بدقة مع الثيمة التي ركز عليها المهرجان في نسخته هذا العام: "بره المشهد".

أسهمت التجربة في فتح آفاق خيال الزوار وتطوير تصوراتهم الخاصة متجاوزين حدود الصور النمطية والرؤية البصرية التقليدية. كما خلق هذا النمط التفاعلي بيئة حوارية خصبة تبادل فيها الحضور أفكارهم ورؤاهم حول كيفية بناء الحالة الشعورية والسردية عبر الصوت، مما أتاح لـكادر ومَسْمَع خلق مساحة للإصغاء إلى ما يتجاوز الصورة، واستكشاف ما يمكن للصوت أن يبنيه في الخيال والذاكرة، لتصبح الفعالية واحدة من أبرز محطات المهرجان التي تركت بصمة مميزة لدى كل من شارك فيها.

ما بعد الإصغاء

وفي سياق متصل، أُقيمت ورشة نظرية وتطبيقية بعنوان "ما بعد الإصغاء" لتستكشف موقع الصوت في بناء التجربة السينمائية. انطلقت الورشة من مقاربات أنثروبولوجيا الصوت ودراسات السمع للتفكير في الصوت باعتباره وسيطاً معرفياً وسردياً يشارك في إنتاج المعنى، وتشكيل إدراكنا للمكان، والزمن، والشخصيات، والذاكرة، والحالة النفسية.

وبحثت الورشة، التي قدمها مؤسسا منصة مسمع، الباحثة إيمان بديوي والباحث محمود حسن، في الكيفية التي يمكن من خلالها للبيئة السمعية أن تكشف ما يتجاوز الصورة، وتوسّع ما يتيحه الكادر البصري، وتفتح مساحات جديدة لقراءة التجارب الإنسانية داخل الفيلم.

عن الكاتب

فريق كادر