المختبر
"آيس كريم في جليم": أغنية متمردة على عقد الوجاهة
ستوديو التحليل

"آيس كريم في جليم": أغنية متمردة على عقد الوجاهة

يعيش سيف في مساحة تبدو أقرب إلى غرفة مهجورة منها إلى بيت؛ مكان صغير تزدحم فيه ”الكراكيب“، وسرير متواضع، وبيانو موضوع قبالته، فيما تتسلل الأشجار من حوله كأنها جزء من هذا الركام المفتوح على الشارع. كل شيء في المكان يوحي بالهشاشة والفوضى، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن شيء آخر، عن شاب يحيط نفسه بما تبقى من حلمه، ويصنع داخل الفقر والضيق مساحة للفن. ومن هذه المساحة الصغيرة تبدأ رحلة سيف إلى القاهرة، محملاً بحلم الغناء وبحثه عن فرصة ومكان داخل عالم جديد. 

في فيلم”آيس كريم في جليم“ (1992)، من إخراج خيري بشارة، وقصة وسيناريو محمد المنسي قنديل، وحوار مدحت العدل، تأتي الرحلة من الإسكندرية إلى العاصمة دخولاً إلى مدينة تمتحن هذا الحلم على نحو أشد قسوة؛ تضع سيف بين العمل الهش، البحث عن النجاح، الموسيقى التجارية، وبقايا خطاب سياسي وثقافي ينتمي إلى زمن آخر. ومن خلال هذه الحركة بين الأمكنة والطبقات والإيقاعات، يمكن قراءة رحلته داخل تحولات أوسع عاشها المجتمع المصري في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.

تنتمي حساسية التقاط هذه الطبقات داخل الفيلم إلى معرفة دقيقة بطبيعة المرحلة التي تدور فيها أحداثه، وهي معرفة لا نستند في وصفها هنا إلى تصريح مباشر من صناع العمل بقدر ما نلمسها في المعالجة نفسها، وفي الطريقة التي يلتقط بها الفيلم تفاصيل التحول الاجتماعي والثقافي من خلال شخصياته وأمكنته وإيقاعه. وإذا أردنا أن نعود إلى التسعينيات كما لو أننا نبحث بأثر رجعي عن المصادر التي كان يمكن أن تساعد على بناء عالم ”آيس كريم في جليم“، فإن عدداً من الدراسات والمراجع الأدبية يتيح لنا فهماً أعمق لتلك اللحظة. 

آيس كريم في جليم
آيس كريم في جليم

يكتب الكاتب المصري محمد نعيم في ”تاريخ العصامية والجربعة: تأملات نقدية في الاجتماع السياسي الحديث“ (2021) عن التسعينيات بوصفها مرحلة أصبح فيها ”التعولم“ عنواناً عريضاً للمشهد، مع صعود النظام العالمي والأسواق الناشئة، بالتوازي مع تبدل تصورات الأفراد عن النجاح والحياة الجيدة. ويلتقط نعيم هذا التحول على مستوى الحياة اليومية أيضاً؛ فامتلاك منزل في حي جيد، سيارة، مكيف منزلي، والقدرة على حياة اجتماعية ورياضية، أصبحت تمثل ”سقفاً جديداً للوجاهة“.

يمكن ملاحظة هذا التحول داخل ”آيس كريم في جليم“ من خلال حبيبة سيف، التي تعيش مع أمها واقعاً مادياً صعباً، وتبدو شديدة الحساسية تجاه الفقر وما يحرمها منه؛ فلا تملك الأسرة بيتاً أو مقومات تمنحها شعوراً بالاستقرار. ومع دخولها إلى فضاءات اجتماعية مختلفة، تبدأ في ارتياد المطاعم الفاخرة وحضور حفلات الأثرياء، ثم تبتعد عن سيف نفسه. وهكذا يمكن وضع ابتعادها عنه والتحول في علاقة عاطفية داخل تبدل أوسع في معنى الصعود الاجتماعي خلال التسعينيات، حيث ترتبط الرغبة في حياة أفضل بما يمكن امتلاكه، وبالأماكن التي يمكن دخولها، وبنمط الحياة الذي يستطيع الفرد الوصول إليه.

يُسجن سيف بعد أن يغني أغنية ثورية، وهناك، داخل هذا السياق القسري والمشحون، يصرّح بأن هذا النوع من الخطاب لا يشبهه أصلاً، وأنه يريد أن يغني عن نفسه وعن أشياء بسيطة ويومية تعبّر عن حياته. ويظهر ذلك بصورة واضحة في أغنية ”رصيف نمرة خمسة“، التي تلتقط تفاصيل الشارع والحياة اليومية بلغة ساخرة ومباشرة: 

”عبد الله رشدي المحامي القدير.. بيرفع قضية في باب الوزير

على عم فكري بتاع البليلة.. عشان مرة زعق بصوته الجهير“

”رصيف نمرة خمسة والشارع زحام.. وساكت كلامنا ما لاقي كلام“

هنا تنتقل الأغنية من الشعارات الكبرى إلى تفاصيل أشخاص عاديين ومواقف تبدو هامشية أو طريفة، لكنها تكشف عن المدينة وإيقاعها وتفاوتاتها، وتمنح اليومي نفسه قيمة تستحق الغناء.

 

يمكن قراءة هذا الموقف إلى جانب وصف محمد نعيم للتسعينيات بوصفها زمناً تراجع فيه حضور المشروع الوطني أو التحرري الجامع، فلم تعد اللغة السياسية الكبرى بالضرورة اللغة التي يرى هذا الجيل نفسه من خلالها. ويتقاطع ذلك مع ما يكتبه الشاعر والكاتب علاء خالد في ”كرنفال القاهرة: مشاهد من عقد التسعينيات“ (2024)، حين يصف الثمانينيات والتسعينيات بعقدي ”الاستقالة الجماعية من العمل السياسي“، مقابل اتجاه المجتمع إلى الاقتصاد، مع بقاء نماذج ثقافية وسياسية أقدم ــ مثل المخلص والأضحية والفادي والمثقف الخائن ــ حاضرة بالقصور الذاتي داخل المجال الثقافي. ومن هنا تبدو رغبة سيف في الغناء عن نفسه وعن حياته اليومية أكثر من مجرد اختيار فني.

وفي الوقت نفسه، يفتح هذا السياق مدخلاً إلى شخصية نور، الطالب اليساري الذي يرافق سيف. فوجوده إلى جوار شخصية ترفض الخطاب الثوري يمكن أن يُقرأ بوصفه تجاوراً بين لحظتين، خطاب سياسي قديم ما يزال حاضراً، وجيل جديد يحاول أن يجد لغة أخرى للتعبير عن نفسه. وبذلك يصبح اللقاء بينهما أيضاً لقاءً بين تصورات مختلفة لما يمكن أن يكونه الشاب في ذلك الزمن، المثقف السياسي من جهة، والفنان الباحث عن صوت شخصي ومكان داخل العالم الجديد من جهة أخرى.

أمّا زرياب، الموسيقي المشرد الذي يلجأ إليه سيف ورفاقه لتلحين أغانيهم، فيظهر منذ البداية كأنه خارج العالم تماماً، متسوّل، سكير، ويعيش على هامش المدينة. لكن حين يعود إلى غرفته، وبين فوضى المكان وأشيائه المتناثرة، تظهر على الجدار صورتان صغيرتان لكارل ماركس، المفكر الألماني وأحد أبرز منظّري الفكر الاشتراكي، وجمال عبد الناصر، الرئيس المصري الذي مثّل أحد أبرز رموز القومية العربية. هذه التفاصيل البصرية تمنح الشخصية تاريخاً يتجاوز وضعها الحالي؛ فهي توحي بانتمائها إلى جيل تشكّل في زمن كانت فيه الأفكار الكبرى، والحركات التحررية، والمشروعات القومية واليسارية، جزءاً أساسياً من تصور الفرد لموقعه في العالم، قبل أن تنتهي تلك الأحلام إلى الهزيمة والتراجع والتهميش.

آيس كريم في جليم
آيس كريم في جليم

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الشخصية إلى جانب ما كتبته الكاتبة المصرية أروى صالح في ”المبتسرون“ عن جيل الستينيات والسبعينات، وعن مجتمع سياسي وثقافي تكوّن حول رهانات كبرى ثم انتهى إلى التخلي عن أفراده، وإلى قسوة ارتدت على أصحابه أنفسهم. وفي المقاطع التي تصف تجربتها هي أيضاً، تظهر محاولة العودة إلى فردية ”غير مسيسة“ بعد انهيار الأوهام الجماعية، لكن هذه العودة لا تستطيع دائماً رأب الشروخ التي خلّفها الماضي. وهذا قريب مما يختزنه الموسيقي في ”آيس كريم في جليم“: رجل لم يعد يعيش داخل المشروع السياسي القديم، لكنه لم يخرج منه تماماً أيضاً.

يضيء علاء خالد جانباً آخر من التجربة، من موقع شخصي شديد القرب من شخصية سيف؛ فهو أيضاً ابن الإسكندرية الذي وجد في القاهرة خلال التسعينيات فضاءً مختلفاً لإعادة اكتشاف الذات. يكتب أنه عندما ”ضاق“ سقف الإسكندرية عن جسده وتحولاته النفسية، وجد في القاهرة ”سقفها العالي وليلها المفتوح“، ووجد فيها التيه وسط مركز لا يشعر فيه المرء بثقل المركز. وفي مقطع آخر يقول إن المدينة أكسبته جرأة كان يحتاج إليها، في البحث، والتيه، والحديث مع الغرباء، وفي اختبار علاقات وتجارب جديدة. 

تساعد هذه العلاقة بالقاهرة على فهم رحلة سيف من زاوية أخرى؛ فالانتقال من الإسكندرية إلى العاصمة، حيث تتمركز صناعة الموسيقى، يضعه أمام فرص جديدة وتصورات مختلفة للنجاح والفن والحياة. وبين نور الذي لا يزال يجد في السياسة لغة لفهم العالم، وزرياب الذي يحمل آثار زمن تراجعت مشروعاته وأحلامه، وحبيبته التي تبحث عن حياة أفضل عبر الصعود الاجتماعي، يحاول سيف أن يجد لنفسه مكاناً وصوتاً يعبّر عن تجربته الخاصة. ومن خلال هذه الشخصيات، يلتقط ”آيس كريم في جليم“ لحظة تتراجع فيها الإجابات القديمة، فيما تتشكل ملامح عالم جديد لم تتضح معالمه بعد، تاركاً سيف أمام سؤاله آن: كيف يمكنه أن يغني عن حياته، وأن يجد من يصغي إليه؟