ماذا لو أن طفولتنا بأكملها مرت سراً بلا أثر بصري ملموس، ونسج الخوف من الحسد حولها مسافات من الفراغ؟ إنها تلك الحيرة التي تتملكنا حين نعثر وسط هذا الركام على صورة واحدة يتيمة نجت بمفردها من طمس الزمن. فماذا لو تحولت هذه اللقطة الوحيدة إلى بوابة خفية ليس فقط لاستدعاء الماضي، بل لمساءلة الذاكرة، وترميم ما سقط منها سهواً، لتصبح لاحقاً الدافع المُلح وراء صنع فيلمٍ؟
احتضن مسرح ناصبيان عرض فيلم "خائنة الأعين" (My Brother, My Brother) للمخرجين سعد وعبد الرحمن دنيور، في إطار نادي كادر السينمائي بالتعاون مع جمعية النهضة العلمية والثقافية (جزويت القاهرة). استضاف النادي منتج الفيلم عبد الله دنيور، بينما أدار الجلسة الحوارية الناقد السينمائي أحمد عزت عامر لمناقشة أبعاد المشروع الفنية والنفسية.
يمزج فيلم "خائنة الأعين" بين السينما الحية وتقنيات الرسوم المتحركة وبعض العناصر التسجيلية، لاستكشاف التعقيدات النفسية والذكريات المشتركة للتوأمين المتطابقين عمر ووسام. تبدأ قصة الفيلم من لحظة اندماجهما في رحم الأم وصولاً إلى لحظة الفراق المؤلمة بوفاة أحدهما، ليغوص العمل في هشاشة الذاكرة البشرية وذاتيتها، مبرزاً كيف تتداخل الأحلام بالواقع، وتتحول محاولة استرجاع الماضي إلى رحلة بحث دائمة عن شيء مفقود.
مرّ "خائنة الأعين" برحلة إنتاجية بالغة الصعوبة والقسوة على المستوى الشخصي؛ فقد بدأ كتابته المخرج الشاب الراحل سعد دنيور مع توأمه عبد الرحمن كعمل يخلد ذكرى فقد والدتهما، لكن المشروع تحول جذرياً بعد الوفاة المفاجئة لسعد في سن التاسعة والعشرين قبل بدء دراسته السينمائية في برلين. ورغم التحديات الكبيرة وصدمة الفقد وانسحاب أحد المنتجين الذي حاول فرض تعديلات وجدها صنّاع الفيلم غير مناسبة، أصرّ الفريق على الحفاظ على روح الفيلم الأصلية وعناصر رسومات سعد ومشاهده دون تغيير، معتمدين على التمويل الجماعي ودعم المنتجين المؤمنين برؤية العمل. توجت هذه الرحلة بعرض عالمي أول بمهرجان كليرمون فيران وتلقي تنويهاً من لجنة التحكيم، ليتحول الفيلم من مجرد مشروع سينمائي قصير إلى تركة إنسانية وشخصية ثمينة وثقيلة في ذات الوقت تصون ذكرى صانعه.
تداعي الذاكرة في مرآة ”لاكان“
استهل النقاش بالإشارة إلى أن وفاة المخرج سعد دنيور غيرت شكل المشروع بشكل جذري، إذ لم يكن السيناريو الأصلي يتضمن مشهد الفقد والموت في النهاية. وحرصاً على عدم المساس بالنص الذي بناه سعد أساساً ليودع من خلاله والدته الراحلة، جرى الاكتفاء بتعديل المشهد الختامي قدر الإمكان، مع الاحتفاظ بكافة التفاصيل والرسومات التي خطتها يداه لتظل كما هي دون تغيير. وأوضح المنتج أن الفكرة المحركة الأولى للفيلم دارت حول فقد الأم، والتي بُني على أساسها عالم الذكريات المعقد. فعندما تحاول الشخصيات استرجاع الماضي، تكتشف أنها غير متفقة على تفاصيل المواقف ذاتها رغم خوضها سوياً، مما استدعى العودة إلى الأرشيف البصري المفقود وبناء العالم المحيط بهذه الفكرة.
وتناول النقاش البعد الفلسفي والنفسي للذاكرة، مستشهدين بمفهوم المحلل النفسي جاك لاكان حول الرغبة والشيء المفقود؛ إذ تعمل الذاكرة بالطريقة ذاتها، فنحن لا نستعيد اللحظة بذاتها بقدر ما نحاول استعادة مزاج أو حالة غابرة. ويرى لاكان أن الرغبة الإنسانية تتشكل حول نقص بنيوي لا يمكن إشباعه نهائياً بالحصول على موضوع بعينه.
ويتضح ذلك جلياً في رحلة الشقيقين وهما يحاولان استرجاع ذكريات الطفولة وغرفة الأب. فكلما تتبعا صورة أو أثراً لاستعادة لحظة ما، قادتهما الذاكرة إلى شيء مختلف تماماً عما بحثا عنه. يجسد الفيلم بأكمله هذه الرغبة في استعادة الماضي، كمحاولة لاستعادة حالة مفقودة، تمثلت أولاً في فقد الأم، ثم في رحيل التوأم سعد.
كما يعكس تناول الفيلم لحياة توأمين متطابقين، اندمجا في رحم الأم وتشاركا وجهاً واحداً ووعياً مشتركاً. مفارقة يمكن قراءتها في ضوء مفهوم لاكان حول "مرحلة المرآة"، التي تشير إلى تشكّل الأنا عبر التماهي مع صورة خارجية تبدو متماسكة، بينما لا تتطابق تماماً مع التجربة الذاتية للطفل. ويترتب على هذا التماهي بُعد من الاغتراب، لأن الأنا تتشكل من خلال صورة تقع خارج الذات.
سينما "الهايبرد" كضرورة لوصف ما لا يُحكى
وعلى الجانب البصري، أوضح عبد الله دنيور أن فكرة المزج بين التصوير الحي والرسوم المتحركة وُضعت منذ المسودات الأولى وقبل كتابة النص؛ إذ لم يكن عالم الفيلم ثابتاً أو محدد الإطارات لوضعه في وسيط سينمائي واحد، لاسيما مع اتساع مساحات الخيال وشطحاته كالمشاهد المتعلقة بالولادة أو تصوير ما يدور داخل العقل. وقد خضعت عملية التصوير لمحاذير وتقنيات دقيقة لضمان اتساقها مع حركة التحريك والظلال، حيث أُنجز التصوير الحي بالكامل أولاً مع مراعاة كافة التوجيهات الإشرافية للتحريك.
وتناول الحوار فلسفة عنوان الفيلم "خائنة الأعين"؛ وتحدث دنيور عن أن شقيقه المخرج الراحل كان شغوفاً بالألفاظ القرآنية لما تحمله من شاعرية وعمق، وكانت الآية بالنسبة له تجسيداً لحالة غير المحكي والتساؤلات الغائبة التي تدفع الشخصيات لدخول غرفة الأب المغلقة بحثاً عن إجابات تتراوح بين العلم والدين.
وفيما يتعلق بالتصنيف النوعي للعمل، شدد المشاركون على أن الفيلم يقدم نموذجاً أصيلاً لسينما الهايبرد التي تمزج بين التسجيلي والروائي والتحريك في صورتها الحقيقية، بعيداً عن الاكتفاء بمجرد مجاورة اللقطات التمثيلية بلقطات تسجيلية؛ فهو يسعى لاستدعاء ذكريات حية وخاصة لصناع الفيلم، تعويضاً عن غياب وثائق أو صور أرشيفية مصورة لها.
وفي إجابتهم عن أسئلة الحضور، تناول الصناع طبيعة الكوميديا الداكنة في السيناريو، مؤكدين أن النص الأصلي حمل طابعاً ساخراً انعكاساً لرؤية سعد الذي كان يرى ضرورة إيجاد مساحة متنفس للسخرية من المواقف الكئيبة حتى في أقصى حالات الحزن، وألا يُختزل الفيلم في مشاعر الألم وحدها.
واختتم النقاش بالحديث عن الأثر الشخصي والنفسي العميق للفيلم إثر رحيل سعد؛ حيث أشار أحد المشاركين إلى أهمية رد فعل الأب الذي ضحك حين شاهد العمل واطمأن لعدم وجود أي إساءة أو إزعاج في الجزء المرتبط به. وأكد عبد الله دنيور على صعوبة قالب الأفلام القصيرة، لافتاً إلى أنها تظل رغم ذلك مساحة خصبة لبناء عوالم مؤثرة متى أتقن صناعها أدواتهم، معرباً عن أمله في أن يحقق الفيلم نوعاً من المصالحة الوجدانية لكل من يراه.



