تراودني كثيراً عبارة "7 مليار وأنا في وحدة"، وتثير داخلي تساؤلات تعيدني دائماً لنقطة الصفر في النهاية: كيف لكوكب يكتظ بالبشر إلى هذا الحد أن يتركنا بكل هذا العراء؟ هذا الكوبليه من أغنية للمغني المصري "ويجز" يتجاوز عندي الوحشة العابرة، وأدخل منه لقراءة في جوهر العزلة. فالمشاعر الثقيلة كالوحدة لا تولد من خلوّ المكان من وجوه البشر، إنها تنبت في تلك المسافة الفاصلة بين ما نشعر به وما يفهمه العالم منا، تنمو فرعاً تلو الآخر، ويغذّيها الفقد والافتراق الفكري والعاطفي عمّن يحيطون بنا.
في عالمٍ يتسابق فيه الكثير بنهم نحو التواصل، يأتي فيلم "The Social Network"، أو الشبكة الاجتماعية، ليدوّن خطابه الإنساني الأشد قسوةً لهذه المفارقة: كيف يمكن لرجل يُمسك بيده مفاتيح أكبر مقهى افتراضي في تاريخ البشرية أن ينتهي به المطاف مكبّلاً داخل غرفة زجاجية صماء، ينتظر ضغطة زر واحدة تُرمم روحه المنكسرة؟
في جلسة هذا الشهر من نادي كادر السينمائي، اجتمع عدد من الأعضاء "افتراضياً"، وأدار الجلسة المخرج ومنسق النادي زين بوش، لمناقشة معضلات هذا الفضاء الرقمي الذي ابتلع صاحبه، ونحن معه بالتبعية. في عام 2010، وقت طرح فيلم "الشبكة الاجتماعية" لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي كما هي اليوم؛ فالإنترنت كان موجوداً لكن مفهوم التواصل الاجتماعي كان في بداياته مع "ماي سبيس" سنة 2003، ثم "فيسبوك" سنة 2004، وصولاً إلى اللحظة المفصلية التي يؤطرها الفيلم بعد تجاوز عدد المشتركين للمليون، وهو رقم بسيط مقارنة بما تشهده هذه الوسائل اليوم.
تدور أحداث الفيلم الأمريكي "الشبكة الاجتماعية" للمخرج ديفيد فينشر، والكاتب آرون سوركين، المستوحى عن كتاب "مليارديرات بالصدفة" (The Accidental Billionaires) للكاتب بين ميزريتش، حول القصة المأساوية لتأسيس موقع "فيسبوك" وانطلاقته من أروقة جامعة هارفارد لتتحول إلى إمبراطورية أحدثت نقلة في شكل التواصل البشري.
يتجلّى الصراع الأساسي في الفيلم بين طموح مارك زوكربيرغ (جيسي آيزينبرغ) ورؤية صديقه وشريكه إدواردو سافرين (أندرو غارفيلد)، بالتوازي مع نزاعه القضائي مع التوأم وينكلفوس، اللذين اتهماه بسرقة فكرتهما. ويتعمّق هذا الانقسام مع دخول شون باركر (جاستن تمبرليك) إلى حياة مارك، وجذبه نحو عالم أوسع من النفوذ والطموح. أما المعضلة الأخلاقية، فتتمحور حول الثمن الإنساني للنجاح الجامح. إلى أي مدى يمكن للطموح أن يبرّر خيانة الأصدقاء والاستيلاء على أفكار الآخرين؟ وكيف يمكن لمؤسس واحدة من أكبر منصات التواصل البشري أن ينتهي في عزلة نفسية عميقة، عاجزاً عن بناء علاقة إنسانية صادقة؟
الانتماء والوحدة
طرح النادي تساؤلاً محورياً نقدياً حول مدى قدرة الفيلم على التغلب على سطوة الزمن والتنبؤ بالمستقبل بعد نحو 15 عاماً على عرضه؛ وجادل أن استباقية الفيلم لم تكن في تتبّع نشأة "فيسبوك" كمنصة، إنما في فهمه المبكر لجوهر وسائل التواصل الاجتماعي القائم على عقدة الوحدة والحاجة للقبول والانتماء، عبر مشهدين رئيسيين في البداية والنهاية، وكأنهما يفتحان قوساً درامياً تبدأ الحكاية من عنده وتُغلق عليه.
تتجسد هذه الأفكار من خلال البناء النفسي لشخصية مارك زوكربيرج في الفيلم، حيث دفعه افتقاده للذكاء الاجتماعي وعجزه عن التواصل الواقعي إلى هروب تعويضي نحو البرمجة، محوّلاً لغة التواصل إلى شفرات رقمية تلائم طبيعته الانعزالية. يتضح هذا التجمد العاطفي في علاقته بالآخرين؛ إذ يلغي بتركيزه الوسواسي كل من حوله، مفضلاً تغيير العالم برمته على الاعتراف بأخطائه أو التنازل عن أنانيته.
يتقاطع هذا الطرح الدرامي مع دراسة علمية حول "الوحدة وصداقات الإنترنت لدى الشباب الناشئ" (Loneliness and Online Friendships in Emerging Adults)، للباحثين ميشيل هود وبيتر كريد وبيانكا ميلز، التي تبحث في لجوء الشباب الذين يعانون الوحدة إلى الفضاء الرقمي بوصفه مساحة للتعويض الاجتماعي، وما قد ينشأ عن ذلك من علاقات افتراضية لا توفر بالضرورة القرب والعمق العاطفي اللذين قد تتيحهما العلاقات المباشرة.
ويكثّف الفيلم هذا التأسيس الدرامي منذ مشهده الافتتاحي، عبر حوار مكثف ومونتاج ديناميكي مشحون يرسم ملامح مارك، توقه إلى الاعتراف والمكانة، حساسيته تجاه الرفض، وعجزه عن التواصل العاطفي مع أقرب الناس إليه. ويتحوّل هذا المزيج لاحقاً إلى قوة دافعة وراء بناء فضاء اجتماعي يمنحه نوعاً آخر من المكانة والانتماء. وفي المشهد الختامي، تبلغ المفارقة ذروتها، مارك، وقد أصبح واحداً من أصغر المليارديرات في العالم ومؤسساً لمنصة أعادت تشكيل التواصل بين ملايين البشر، يجلس وحيداً أمام الشاشة، يحدّث الصفحة مراراً في انتظار قبول حبيبته السابقة طلب صداقته.
أرجعت إحدى المشاركات قدرة الفيلم على الصمود أمام عامل الزمن إلى ذكائه في تجنّب التفاصيل المفرطة والهامشية التي تقع فيها بعض أفلام السيرة الذاتية، وتركيز اهتمامه عوضاً عنها على موضوعات إنسانية أوسع وأكثر ديمومة، كالعلاقات والصداقة والطموح وتجربة الشباب. وأضافت أننا ما زلنا قريبين زمنياً من الحقبة التي شهدت ولادة «فيسبوك»؛ فالحدث لا يزال حاضراً في الذاكرة، وهو ما يُبقي الفضول قائماً تجاه قصة نشأته والظروف والشخصيات التي أحاطت بها.
ومن زاوية أخرى، رأت مشاركة أن الفيلم تجاوز زمنه لأنه التقط مبكراً أنماطاً من السلوك الإنساني ستزداد وضوحاً مع اتساع حضور وسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا. فمنذ مشاهده الأولى، تتكشّف دوافع إثبات الذات والرغبة في الانتقام والتوق إلى القبول والانتماء إلى دوائر النخبة، وصولاً إلى المفارقة التي تختزلها النهاية، بطل بنى شبكة تصل ملايين البشر بعضهم ببعض، فيما يظل هو معزولاً ووحيداً أمام شاشته. ويتقاطع ذلك مع الإشكالية التي تطرحها الدراسة العلمية حول العلاقة بين الوحدة والصداقات عبر الإنترنت؛ إذ يمكن للفرد أن يكون محاطاً بمئات الروابط والصداقات الافتراضية، من دون أن تبدّد بالضرورة شعوره بالوحدة أو تمنحه القرب العاطفي الذي يبحث عنه.
لماذا يستخدم الناس فيسبوك؟
تتعزز هذه القراءة النفسية والسينمائية لدوافع السلوك البشري في الفيلم باستحضار دراسة ثانية بعنوان «لماذا يستخدم الناس فيسبوك؟» (Why Do People Use Facebook?)، للباحثين أشويني نادكارني وستيفان ج. هوفمان، اللذين حددا دافعين أساسيين لاستخدام المنصة: "الحاجة للانتماء" و"الحاجة لتقديم الذات والتحكم بالصورة الشخصية".
ويتجلى هذان الدافعان في مسار مارك وعلاقته بشون باركر (جاستن تيمبرليك)، ولا سيما في مشهد الملهى الليلي الصاخب، حيث يروي شون قصة مؤسس «فيكتوريا سيكريت» ليقنع مارك بعدم التسرع في بيع الموقع، ويدفعه إلى التفكير في المشروع بوصفه بوابة إلى نطاق أوسع من النفوذ والتأثير.
تتفق إحدى المشاركات مع هذا الطرح بأن "الانتماء" يمنح الأفراد شعوراً فطرياً بالأمان والوجود الحيوي ضمن جماعة احتضان، وهو تفسير نفسي منطقي وسليم لمسببات الانخراط الرقمي، بالإضافة إلى الدافع الآخر المتمثل في "حب الظهور" والتقديم الذاتي الذي التقطه مارك بذكاء؛ إذ استغل حاجة الناس المتزايدة لإنشاء هوية رقمية ورسم صورة خاصة بهم أمام المجتمع الافتراضي. ويستكمل التحليل بتأكيد عبقرية مارك في رؤية هذا البعد الاجتماعي والنفسي مبكراً قبل أي شخص آخر، وهو ما ينعكس في جملته الشهيرة بالفيلم: "لو كنتم أنتم من اخترعتم فيسبوك، لكنتم اخترعتموه".
ومن زاوية سينمائية، رأى مشارك آخر أن ديفيد فينشر يتجنب تقديم مارك من منظور خصومه وحدهم، ويترك للمشاهد مساحة للحكم على الوقائع والشخصيات ودوافعها. ووفق هذه القراءة، لم يكن نجاح مارك قائماً على الفكرة المجردة وحدها، وإنما على التقاط مجموعة من التفاصيل التي جعلت المنصة جزءاً من الحياة الاجتماعية للمستخدمين، مثل الحالة العاطفية والاهتمامات والهوية الشخصية، ثم جمعها في تجربة واحدة. ويمتد هذا التعقيد إلى الأسلوب الذي صيغت به الحكاية نفسها؛ فالفيلم يعتمد على حوارات شديدة السرعة وإيقاع أقرب أحياناً إلى المسرح، من دون السعي إلى محاكاة الكلام اليومي بحرفيته. وهنا يلتقي أسلوب فينشر الإخراجي مع كتابة آرون سوركين، المعروفة بإيقاعها اللغوي والموسيقي، لتحويل مشاهد قائمة أساساً على الحوار إلى لحظات سينمائية مشحونة بالحركة والتوتر. وبدلاً من أن يصبح الحوار عبئاً على الإيقاع، يتحول إلى أحد المحركات الأساسية للتشويق والصراع في الفيلم.
على جانب آخر، طرح أحد المشاركين في الجلسة مفارقة نقدية تتعلق بالمسافة بين المعالجة الدرامية والواقع التاريخي. فقد بُني جانب أساسي من دوافع مارك في الفيلم على تجربة عاطفية تنتهي بالانفصال، لتصبح لاحقاً محركاً لرغبته في الانتقام وإثبات الذات، فيما تختلف هذه الحبكة عن تفاصيل حياته الفعلية؛ إذ تعرّف مارك زوكربيرغ إلى بريسيلا تشان عام 2003، قبل إطلاق «فيسبوك»، وتزوجا لاحقاً عام 2012. ومن هنا، طرح المشارك سؤالاً حول الخيار الإبداعي الذي دفع صنّاع الفيلم إلى ابتكار هذا المسار العاطفي ومنحه ثقلاً مركزياً في بناء الشخصية، بدلاً من الالتزام بالتفاصيل المعروفة من حياة زوكربيرغ، وما الذي أتاحه هذا التغيير درامياً في تفسير دوافع الشخصية ومسارها.
الخيال مقابل التوثيق
فكّكت الجلسة التباين بين الدقة التاريخية والضرورة الدرامية في فيلم "الشبكة الاجتماعية"، مستعرضةً التنازع الفني بين رغبة الكاتب آرون سوركين في الشحن الدرامي، ورؤية المخرج ديفيد فينشر الميالة للانضباط الواقعي. ففي مشهد تأسيس "Facemash"، على سبيل المثال، حرص فينشر على تضمين بعض التفاصيل المرتبطة بالواقعة الأصلية، ومنها نوع المشروب الذي كان يحتسيه زوكربيرغ، في مقابل ميل السيناريو في مواضع أخرى إلى إعادة تشكيل الوقائع وتكثيفها بما يخدم البناء الدرامي والنفسي للشخصيات. ويظهر ذلك مثلاً في الطريقة التي قُدّمت بها شخصية شون باركر، حيث تتراجع أولوية النقل الحرفي للواقع لصالح بناء حضوره الدرامي بوصفه شخصية آسرة ومؤثرة في مسار مارك.
وتقاطعت هذه القراءة مع مقال للباحث مارشال دويتلباوم يتناول الاقتباس بوصفه عملية إعادة تأويل، لا مجرد نقل للوقائع. فمن خلال هذه المعالجة، حوّل سوركين المادة التاريخية إلى صراع درامي تحرّكه مشاعر الرفض والتوق إلى القبول والمكانة والانتماء إلى دوائر النخبة، مع إعادة صياغة بعض الوقائع وابتكار عناصر تخييلية تخدم هذا المسار، من بينها شخصية إيريكا كما تظهر في الفيلم، والدور المحوري الذي تؤديه في بناء دوافع مارك، وكذلك المعالجة الدرامية للصراع الذي انتهى بإبعاد إدواردو سافرين عن الشركة.
وأثارت هذه المعالجة مداخلةً لأحد المشاركين، رأى فيها أن الفيلم يبتعد عن شخصية زوكربيرغ التاريخية ليصنع نسخة درامية منها، بدوافع وعلاقات أعيد تشكيلها لخدمة الحكاية، في وقت تشير فيه سيرته الواقعية إلى امتلاكه شبكة من الصداقات والعلاقات الاجتماعية. وفي المقابل، أشار ميسر الجلسة إلى أن عنوان الفيلم نفسه، "الشبكة الاجتماعية"، يفتح المجال لقراءته خارج حدود السيرة الذاتية لشخص واحد، بوصفه عملاً يتناول أسئلة أوسع حول الانتماء والعلاقات والحاجة إلى الاعتراف والقبول.
ومن هنا انتقل النقاش إلى الإشكالية الأخلاقية التي تطرحها الأعمال المستندة إلى شخصيات ووقائع حقيقية، أين تنتهي حرية المعالجة الدرامية، وأين تبدأ مسؤولية العمل تجاه الأشخاص الذين يعيد تشكيل صورهم ودوافعهم؟ وهي من الأسئلة التي يسعى مشروع "كادر" إلى الاشتباك معها من خلال وصل البحث الأكاديمي بالسرد الدرامي، والبحث عن مساحة تتيح للخيال أداء وظيفته من دون إغفال التعقيد المعرفي والأخلاقي للمادة التي ينطلق منها.

